فخر الدين الرازي
296
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
النطق . ومنهم من قدم البصر ، لأن آلة القوة الباصرة أشرف ، ولأن متعلق القوة الباصرة هو النور ، ومتعلق القوة السامعة الريح . المسألة الثامنة : قوله : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ يدل على أن محل العلم هو القلب . واستقصينا بيانه في قوله : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [ الشعراء : 193 ] في سورة الشعراء . المسألة التاسعة : قال صاحب الكشاف : البصر نور العين وهو ما يبصر به الرائي ويدرك المرئيات ، كما أن البصيرة نور القلب ، وهو ما يستبصر به ويتأمل ، فكأنما جوهران لطيفان خلق اللّه تعالى فيهما آلتين للإبصار والاستبصار ، أقول : إن أصحابه من المعتزلة لا يرضون منه بهذا الكلام : وتحقيق القول في الأبصار يستدعي أبحاثاً غامضة لا تليق بهذا الموضع . المسألة العاشرة : قرئ غِشاوَةٌ بالكسر والنصب ، وغشاوة بالضم والرفع ، وغشاوة بالفتح والنصب ، وغشوة بالكسر والرفع ، وغشوة بالفتح والرفع والنصب ، وغشاوة بالعين غير المعجمة والرفع من الغشا ، والغشاوة هي الغطاء ، ومنه الغاشية ، ومنه غشي عليه إذا زال عقله والغشيان كناية عن الجماع . المسألة الحادية عشرة : العذاب مثل النكال بناء ومعنى ، لأنك تقول أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه ، كما تقول نكل عنه ، ومنه العذاب ، لأنه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده ، ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخاً ، لأنه ينقخ العطش أي يكسره ، وفراتاً لأنه يرفته عن القلب ، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذاباً وإن لم يكن نكالًا أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة ، والفرق بين العظيم والكبير : أن العظيم نقيض الحقير ، والكبير نقيض الصغير ، فكأن العظيم فوق الكبير ، كما أن الحقير دون الصغير ، ويستعملان في الجثث والأحداث جميعاً ، تقول : رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره ، ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس ، وهو غطاء التعامي عن آيات اللّه ، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا اللّه تعالى . المسألة الثانية عشرة : اتفق المسلمون على أنه يحسن من اللّه تعالى تعذيب الكفار ، وقال بعضهم لا يحسن وفسروا قوله : وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ بأنهم يستحقون ذلك لكن كرمه يوجب عليه العفو ، ولنذكر هاهنا دلائل الفريقين ، أما الذين لا يجوزون التعذيب فقد تمسكوا بأمور . أحدها : أن ذلك التعذيب ضرر خال عن جهات المنفعة ، فوجب أن يكون قبيحاً ، أما أنه ضرر فلا شك ، وأما أنه خال عن جهات المنفعة ، فلأن تلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى اللّه تعالى ، أو إلى غيره ، والأول : باطل ، لأنه سبحانه متعال عن النفع والضرر بخلاف الواحد منا في الشاهد ، فإن عبده إذا أساء إليه أدبه ، لأنه يستلذ بذلك التأديب لما كان في قلبه من حب الانتقام ولأنه إذا أدبه فإنه ينزجر بعد ذلك عما يضره . والثاني : أيضاً باطل ، لأن تلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى المعذب أو إلى غيره أما إلى المعذب فهو محال ، لأن الإضرار لا يكون عين الانتفاع وأما إلى غيره فمحال ، لأن دفع الضرر أولى بالرعاية من إيصال النفع ، فإيصال الضرر إلى شخص لغرض إيصال النفع إلى شخص آخر ترجيح للمرجوح على الراجح ، وهو باطل وأيضاً فلا منفعة يريد اللّه تعالى إيصالها إلى أحد إلا وهو قادر على ذلك الاتصال من غير توسيط الإضرار بالغير ، / فيكون توسيط ذلك الإضرار عديم الفائدة . فثبت أن التعذيب ضرر خالٍ عن جميع جهات المنفعة وأنه معلوم القبح ببديهة العقل ، بل قبحه أجلى في العقول من قبح الكذب الذي